الشيخ محمدفوزي الكركري
قابِلنا
→ كل الدروس

الدروس

العلم

العلم

بسم الله الرحمن الرحيم.
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وعلى جميع أصحابه.

العلم

قال سيدي ابن عاشر (رضي الله عنه) في منظومته الشهيرة:

وأوّلُ الواجبِ على المكلَّفِ
معرفةُ الحقِّ والرسلِ فاعرفِ

إن أول الواجبات على من بلغ سنّ التكليف هو معرفة الله ورسوله ﷺ، أو بعبارة أخرى: معرفة الشهادتين (الشهادة)، معرفةً عميقة حقيقية. فباب الدخول إلى دين الله هو هذه الشهادة المزدوجة. وباب الخروج من هذه الدنيا الدنيّة إلى دين الله هو هذه الشهادة المزدوجة.

العلم هو حقيقة ما يقوم عليه أساس الخشية، وهي المطيّة التجلّوية ومحلّ مشاهدة العلماء الباطنيين. قال الله ﷻ: «إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ». [1]. فانظر، رحمك الله، كيف قرن الحق العلم بالخشية الإلهية ليدلّنا على الرابطة التي تجمع هذين المقامين الروحيين. فمن ازدادت معرفته بالله ازدادت خشيته منه. وفي هذا المعنى جاء قول صحيح عن سيد الخلق ﷺ: «والله إني أعلمكم بالله وأشدكم له خشية.»

وأول علامة للخشية تظهر على العبد هي من جهة أن ينظر إلى غيره نظرة تعظيم، مشاهدًا الفيض الروحاني الإلهي الجاري فيه… ومن جهة أخرى أن يخفض نفسه ويذلّها، حريصًا دائمًا على موافقة الشرع الإلهي، مقيمًا على الدوام في حال تغذّيه الخشية. وهذه حال العارفين المحقّقين، لأنها البراق السماوي إلى المعرفة الإلهية، يتردد بلطف بين مرتبة التمثّل الخيالي ومرتبة التجلي العرفاني.

وفي «البحر المديد»:
«قال الربيع بن أنس: من لم يخشَ الله فليس بعالم. وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية: كفى بالزهد علمًا. وقال ابن مسعود: كفى بخشية الله علمًا وكفى بالاغترار جهلًا. وفي الحِكَم: ‹خير العلوم ما كانت الخشية معه.› وفي «التنوير»: اعلم أن العلم، حيثما ذُكر في الكتاب أو في السنة، يُراد به العلم النافع، وهو ما صحبته الخشية وأحاط به الخوف. قال الله ﷻ: ‹إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ›. فهو سبحانه يدلّنا هنا على أن الخشية لا تنفك عن العلم، ويُفهم من ذلك أن العلماء هم في الحقيقة أهل الخشية.
وقال الشيخ ابن عباد (رضي الله عنه): واعلم أن العلم النافع، الذي أجمع عليه السلف والخلف، هو العلم الذي يقود صاحبه إلى الخشية والخوف، والذي يُلزمه بالتواضع وذلّ النفس والتخلق بأخلاق الإيمان… وكذلك إلى الزهد في هذه الدنيا وتقديم الآخرة، كل ذلك مع التزام الأدب المطلوب مع الله ﷻ، وسائر الخصال الكريمة من السنة.»

وفي «لطائف المنن»: علامة العلم الذي يطلبه الله ﷻ هي الخشية. وعلامة الخشية موافقةُ العبد لما أُمر به. أما العلم الذي يصحبه حبّ هذه الدنيا، وتعظيمُ أهلها الذين نالوا أكبر حظّ منها، وإرادةُ السعي إلى مجاراتهم، وجمعٌ وكنزٌ دون التفات إلى العواقب، ونسيانٌ للآخرة… فليس هناك علم أبعد من هذا عمّا يُسمّى ميراث الأنبياء!

وهل يؤول الميراث إلى الوارث دون أن يتصف بوصف من يرثه اتصافًا تامًّا؟ ومثَل العالِم الذي هذا وصفه كمثَل الشمعة: تُضيء لغيرها وتحرق نفسها. وقد جعل الله العلم الذي يُعلَّمه مثل هذا الشخص حجةً عليه وسببًا لزيادة عذابه.

وفي الآية («إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ») (في الآية بالعربية) تقدّم ذكر اسم الله ﷻ على ذكر العلماء، وفي ذلك إشارة إلى أن العلماء وحدهم، ولا أحد غير العلماء، هم الذين يخشون الله حقًّا. ولو صيغت الآية بغير ذلك (بتقديم ذكر العلماء على الاسم الإلهي) لكان المعنى أن العلماء لا يخشون إلا الله.
وفي حديث نبوي: «إن الله تعالى يقول للعلماء يوم القيامة، إذا قعد على كرسيه لقضاء عباده: إني لم أجعل علمي وحكمي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي.»

قال المنذري: فتأمل قوله تعالى: «علمي وحكمي»: فمن الجلي الواضح أنه لا يُراد به العلم الشائع عند أكثر أهل هذا الزمان الخالي من العلم به ومن الإخلاص…
وفي رواية أخرى لهذا الحديث: «إني لم أجعل حكمتي فيكم إلا لخير أريده بكم، فادخلوا الجنة على ما كان فيكم.»
وقال ﷺ أيضًا: «يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودم الشهداء، فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء.»

إشارة باطنية:
ينبغي النظر إلى العلماء في فئتين متميزتين تمامًا: علماء بأحكام الله، وعلماء بالله. فعلماء الأحكام يخشون غضب الله وعقابه، أما العلماء بالله فيخشون بُعده والاحتجاب عنه. وعلماء الأحكام يخافون من اقتراف الذنوب، أما العلماء بالله فيخافون من التقصير في الأدب بحضرة الملك الأعلى. فخشية العلماء بالله أكثف وأقوى. وهم يأخذون علمهم عن الله، بخلاف علماء الأحكام الذين يأخذون علمهم عن الأموات.
قال الشيخ أبو يزيد (رضي الله عنه) في العلماء بالرواية: هؤلاء قوم مساكين، يأخذون علمهم ميتًا عن ميت. أما نحن فنأخذ علمنا عن الحي الذي لا يموت.
أما الفرق بين لفظي «الخوف» و«الرهبة» و«الخشية»: فالخوف خوف العقاب، والرهبة خوف اللوم، والخشية [2] خوف البُعد.

قال القشيري: الفرق بين «الرهبة» و«الخشية» أن الأولى تدل على خوف يُجبر صاحبه على الفرار فيقع الانهزام. أما الخشية فمن أثرها أن تكبح من أصابته وتحبسه، فيبقى مع الله. فالخشية إذن أعلى من الرهبة.
ولفظ «الخوف» من الإيمان. قال الله ﷻ: «وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ». أما لفظ «الخشية» فمن العلم ومن الهيبة الإلهية.
والعالم الظاهري يخاف من التقصير في حق ربه عليه، بينما يخشى العارف أن يخلّ بالأدب والاحترام اللذين يجب عليه مراعاتهما معه؛ فهو يخاف أن ينفلت في غير وقته، أو بكلمة في غير موضعها، أو بإهماله ما هو أولى.

قال الورتجبي: لفظ «الخوف» خاص بعامة الناس، بينما «الخشية» للخاصة. وقد جعل الله ﷻ الخشية مقرونة بالعلم، أي العلم بالله ﷻ المتصل بقدرته وربوبيته والعبودية له. وحقيقة الخشية نزول تعظيم الحق في قلوب العارفين، ممتزجًا ببهاء الجلال الإلهي، وبرؤية كبريائه وعظمته. ولا يبلغ ذلك إلا من بلغ مشاهدة القدم الأزلي غير المخلوق، والبقاء والأبدية. ومن ازداد علمه بالله ازدادت خشيته، موافقةً للقول النبوي ﷺ: «إني أعلمكم بالله وأشدكم له خشية.» وفي حديث آخر: «قيل: يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: العلم. قيل: أي علم؟ قال: العلم بالله سبحانه.» [3].

وفي الحِكَم: «العلم النافع هو الذي تنبسط أشعته في الصدر ويرتفع به حجاب القلب.» فالعلم (العلم) إذن أشعة من العرفان، وإذا انبسطت أنواره في القلب أزالت حجب الغيرية والثنوية. وتنقشع ظلمات عالم الخلق، وتظهر عندئذ صفات الخالق. وتتفرع أنواره في القلب، وهذا ما يُسمّى العلم النافع: مشاهدة نور الله ونور رسوله ﷺ.

وقد وصف الحق نفسه بأنه نور، تعالى: «اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ». [4].

ووصف نبيّه بأنه سراج منير، فقال: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ۝ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا». [5].
فحقيقة العلم (العلم) إذن ليست سوى التحلّي بنور الحضرة الربانية، المتجلي في صورة مصباح العلم، في زجاجة سيدنا رسول الله ﷺ، الظاهر بمشكاة الوحي الباطن المستور، وبكوكب الوصل في ليل يحفظ السر… نورٌ وقوده من شجرة السر، المنزَّهة المتعالية عن كل بُعد مكاني.

وجزى الله الشافعي خيرًا حيث قال شعرًا:

شكوتُ إلى وكيعٍ سوءَ حفظي
فأرشدني إلى ترك المعاصي

وأخبرني بأن العلم نورٌ
ونورُ الله لا يُهدى لعاصي

فالعلم (العلم) إذن نور، وليس سطورًا مكتوبة متتابعة. إنه نور يُفهم به، باطنًا وسرًّا، ما يريده الله لكل شيء. وهو ماء مقدّس نزل من سماوات الغيب (الغيب) إلى الأراضي التي هي قلوب المؤمنين.

قال النبي ﷺ: «مَثَلُ ما بعثني الله عز وجل به من الهدى والعلم كمثل غيثٍ كثيرٍ أصاب أرضًا، فكان منها نقيّة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير. وكانت منها أجادِب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقَوا وزرعوا. وأصابت منها طائفةً أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً.
فذلك مَثَلُ من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلِم وعلَّم، ومَثَلُ من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أُرسلتُ به.»
[6]

فانظر، رحمك الله، كيف جعل من لا ينطق عن الهوى أهلَ الأنوار هم العلماء الحقيقيين. فهم الفئة الأولى (من الأرض الأولى)، أصحاب حقيقة العلم. أما الفئة الثانية فلا يملكون إلا صورة العلم وظاهره. وأخيرًا الفئة الثالثة، وهي الذين ليس لهم حقيقة العلم ولا حتى صورته.

والفئة الأولى هي الذين تلقّوا ماء العلم النبوي في أراضي نفوسهم الخصبة. فاخضرّ ما ظهر من تلك الأراضي بمعاني أسماء الله العميقة، ثم ظهرت في تلك الأراضي ثمار العلم. وهذه الأرض هي التي شبّه بها الحبيب ﷺ الأرض التي أنبتت الكلأ والعشب الكثير. ولأنهم تلقّوا ماء الوحي من عالم الغيب في أراضي قلوبهم الخصبة، أدركوا بعلم حقيقي تنزّل الأسماء في الصفات الإلهية، وتنزّل الصفات في الأفعال، وتنزّل الأفعال في الأحكام… فخاطبوا الناس على قدر عقولهم، وكشفوا في كل لحظة ما فيه نفع للعباد. وقيل في شأنهم:

تَوَضَّأْ بماءِ الغيبِ إن كنتَ ذا سِرٍّ
وإلا فَتَيَمَّمْ بالصعيدِ أو الصخرِ

وكنْ إمامًا لمن أنتَ إمامُهُ
وصلِّ الفجرَ في مطلعِ العصرِ (الزمن)

تلك صلاةُ العلماءِ
بربّهم: فإن كنتَ منهم فارشُشِ اليابسةَ من البحر.

والفئة الثانية هي الذين أخذوا الماء واستوعبوه وأعطوا منه. وهذه حال أهل الظاهر، لا سيما في زماننا هذا. يحفظ الواحد منهم ثم يردّ ما حفظ، لا أكثر. وقد وصفهم الحبيب ﷺ بأن الحق نفع الناس بهم بحفظهم ماء الغيب، دون أن ينالوا منه نفعًا لأنفسهم، سوى الأجر المصاحب لهذا الحفظ. فالأجر لهم، أما نفع حفظهم وصيانتهم لماء الغيب فيعود إلى أهل الفئة الأولى، لأنهم هم الذين استطاعوا أن يشربوا ويسقوا ويزرعوا.

أما الفئة الثالثة فهم القاحلون، الذين لا يمسكون الماء ولا ينبتون كلأ. أو بعبارة أخرى، الذين ليس لهم لا أجر الحفظ ولا السر الحافظ للأنوار الباطنة، أعاذنا الله من ذلك.

فالعلم (العلم) ليس أن تحفظ ثم تستعرض ما حفظت، فإنك حينئذ لا تكون أكثر من آلة تردد تسجيلًا. العلم بخلاف ذلك: أن تفهم الآية أو العلامة الإلهية (الآية)، ثم تعمل بها، ثم تقطف ثمرة أعمالك: ثمرةً تتجلى لك في صورة أنوار، تفهم بها إرادة الله. حينئذ تكون قادرًا على أن تعطي كل ذي حق حقه، مراعيًا أكمل الأدب، وأحسن حال روحية، وأطيب ذوق.


[1] سورة فاطر، الآية 28.
[2] هذا هو اللفظ الأكثر استعمالًا في هذا الفصل وقد ترجمناه بـ«الخوف».
[3] البحر المديد، الصفحتان 120/121.
[4] سورة النور، الآية 35.
[5] سورة الأحزاب، الآيتان 45/46.
[6] صحيح مسلم، الحديث رقم 2282.