الشيخ محمدفوزي الكركري
قابِلنا
→ كل الأخبار

الأخبار

الالتزامات السبعة

الالتزامات السبعة

بسم الله الرحمن الرحيم
و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين
و على اله و اصحابه أجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم.

والصلاة والسلام على جوهرة الكون سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وذريته المباركة الذين يسقون قلوب المحبين إلى يوم الدين.

بإذن الوارث المحمدي وأمين النور المحمدي، الختم سيدي محمد فوزي الكركري، نكتب هذا المقال يوم الاثنين 24 يوليو 2023 م / 6 محرم 1445 هـ، شهادةً علنيةً بما عاشه سبعة من المريدين في صحبته.


كان ذلك يوم الأحد 24 فبراير 2019 م / 18 جمادى الآخرة 1440 هـ، في اليوم التالي لوصول سيدي محمد فوزي الكركري إلى زاوية ليون/كوندريو. وبعد صلاة الفجر وأداء الورد جماعةً، عاد بعض الفقراء إلى النوم، واختار آخرون قراءة القرآن أو الجلوس على السطح للحديث.

اغتنم سيدي محمد فلوريان الفرصة ليجلب آلته الموسيقية الجديدة. كان قد تعلّق قلبه بالناي، وهو آلة نفخ اشتهرت على يد المولى الرومي، وسيكون لهذه التفصيلة شأنٌ فيما بعد. وبعد أن أحضره، التحق بالفقراء الذين بقوا جالسين على سطح الزاوية.

في حدود التاسعة والنصف، نزل سيدي الشيخ. كان ينوي القيام بنزهته اليومية. فخرج من السطح الذي كنا جالسين فيه، يرافقه سيدي كريم بوكري. وبعد أن سلّم علينا انصرف، ودعا عن طريق سيدي كريم من أراد مرافقته.

فنهض ستة من الفقراء ليلتحقوا بسيدي كريم بوكري ويرافقوا سيدي محمد فوزي الكركري: سيدي سهيل أدريان، وسيدي إبراهيم عمانويل، وسيدي عبد القادر بونوا، وسيدي خليل سيباستيان، وسيدي محمد فلوريان، وسيدي محمد السوسي. وحاول سيدي عيسى باسكال أن يلتحق بالمجموعة، غير أنه لم يستطع مجاراة الوتيرة فرجع أدراجه.

سارت المجموعة في مشي طويل خلف الشيخ، تتناوب فيه الطرق المعبّدة والمسالك الترابية، وكان الشيخ يبدو غريبًا وكأنه يعرف تمامًا إلى أين يتجه. ظننا أننا ذاهبون في نزهة صباحية بسيطة كتلك التي اعتدنا القيام بها معه، لكن ما كان ينتظرنا كان مختلفًا تمامًا. وبعد نحو خمسة كيلومترات من المشي، سلك سيدي الشيخ مسلكًا قاد المجموعة إلى موضع يشرف على وادي الرون ويطل على منظر يخطف الأنفاس.

كنا في أعلى منحدر شديد الانحدار نسبيًا، فيه أوتاد كروم عارية من العنب وكثير من النبات والأعشاب الطويلة. وبعد أن التقطنا بعض الصور، توجه سيدي الشيخ دون كلام إلى صخرة صغيرة وجلس عليها متربعًا. وخلفه تلّة صغيرة فيها بعض الشجيرات والأحراش والأعشاب الطويلة (وسيكون لهذه التفصيلة شأنٌ فيما بعد). فهمنا حينئذ أننا سنقيم الذكر، فجلسنا فورًا قبالته على هيئة قوس من دائرة، كأنها حرف «النون» يكون الشيخ نقطته.

ثم بدأ سيدي محمد فوزي الكركري بتجديد البيعة، فرددناها جميعًا معًا، ثم دعا سيدي سهيل وعيناه مغمضتان بإحكام، وطلب منه أن يتلو علينا بعض الآيات من القرآن.

فتلا الآية 143 من سورة «الأعراف» [1]: «وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ».

ثم تابع بسورة «الكوثر» [2]: «إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ۝ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ۝ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ».

وختم بسورة «الإخلاص» [3]: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ۝ اللَّهُ الصَّمَدُ ۝ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ۝ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ».

وما زال سيدي محمد فوزي الكركري مغمض العينين والوجه، فنادى سيدي محمد فلوريان. وكان هذا قد أحضر نايه معه، فطلب منه سيدي الشيخ أن يعزف لحنًا. فأجاب سيدي محمد فلوريان أنه لا يحسن العزف بعدُ، لكن الشيخ ألحّ قائلًا إن ذلك لا يهم. فامتثل سيدي محمد فلوريان وجرّب العزف بضع دقائق.

ولما انتهى، نطق سيدي الشيخ بالشهادتين مرارًا وتبعه الفقراء في ذلك، ثم أتبعها بالصلاة الإبراهيمية وآية البيعة مرة أخرى، ثم قال لنا: «الآن سأسألكم واحدًا واحدًا. على كل واحد منكم أن يقول شيئًا، نيّةً أو مشروعًا قريبًا من قلبه يريد أن يعمله لله وحده ﷻ»، وسأل المريدين من يمينه إلى يساره.

  • سيدي محمد فلوريان: «أريد أن أعزف الناي لله.»
  • سيدي عبد القادر بونوا: «أريد أن يكون لي اليقين في كل عمل من أعمالي.»
  • سيدي إبراهيم عمانويل: «أريد أن أقوم بسياحة لله.»
  • سيدي كريم: «أريد أن أعمل من أجل الشيخ وآل البيت.»
  • سيدي محمد السوسي: «أريد أن أكتب كتبًا لله.»
  • سيدي سهيل: «أريد أن أترجم جميع كتب سيدي الشيخ.»
  • سيدي خليل سيباستيان: «أريد أن أكون سببًا للخير لأحبّائي ولجميع الفقراء.»

ثم تكلم سيدي محمد فوزي الكركري. فبدأ بأن أخبرنا أن كل واحد منا صار الآن ملتزمًا أمام الله ﷻ بما طلبه في هذا المكان المبارك. وأضاف أن كل ما جرى لتوّه لم يكن من قبيل الصدفة، وأنه ليس إلا تعبيرًا عن الإرادة الإلهية:

«انظروا كيف يفعل الله! أنتم جميعًا من أهل هذا البلد. وُلدتم هنا جميعًا وليس بينكم أجنبي. حين خرجت من الزاوية وسلّمت عليكم وتبعتموني، كان معكم فقراء آخرون. ومع ذلك لم يأتوا. لماذا؟ لأنه كان لا بد أن تكونوا سبعة، مثل السماوات السبع. كان ذلك مقدَّرًا لكم. وإن دققتم النظر فأنتم سبعة، ومعي نكون ثمانية، وهذا يشير إلى حرف ‹ح› الذي يرمز إلى الملائكة الحاملين للعرش. ستفهمون ذلك حين تفهمون قوة العدد سبعة وأهميته.

لا تروا في هذا أمرًا عسيرًا، فإن ما نطقتم به لم يكن منكم. لا تندموا على طلبكم، ولا تقولوا في أنفسكم مثل ‹كان ينبغي أن أطلب كذا أو كذا بدلًا من ذلك›، فإنكم ما كنتم لتطلبوا غير ما طلبتم. لقد قُدّر لكم هذا، وهو العمل الذي يمكنكم أن تكونوا على يقين أنه سيكون حقًّا ‹لله›. وكل ما سواه مشكوك فيه. ولذلك فحين تعملونه سيكون مثل إقامة الذكر. وكما جمعكم الله سبعةً، فعليكم أن تحاولوا دائمًا استعمال هذا العدد في كل مكان.»

ثم نادى كل مريد على حدة، مستأنفًا ما طلبه:

  • على سيدي محمد فلوريان أن يتعلم العزف على الناي وألا يستعمله إلا للدعوة إلى الله ﷻ. يمكنه مثلًا أن يجعله رمزًا يظهر في فيديوهاته الخاصة بالطريقة. وعليه أيضًا أن يحاول دائمًا إظهار العدد سبعة، كأن يؤلف ألحانًا يكون هذا العدد حاضرًا فيها. وإن أحسن العمل في ذلك فقد يصير معلمًا كبيرًا جدًّا للناي.
  • على سيدي عبد القادر بونوا أن يطلب اليقين في كل الأشياء. وعليه أن يبذل كل ما في وسعه لينال هذا اليقين الذي يطلبه. وعليه أن يتأمل الأحاديث المتعلقة باليقين، وأن يكون في شهود النور قبل كل شيء وأثناءه وبعده، فهو نور اليقين (نور اليقين). وبذلك يمكنه مثلًا أن يتعلم قواعد الفقه والعقيدة وأن يحاول إدخال العدد سبعة فيها.
  • على سيدي إبراهيم عمانويل أن يبذل جهده للمشاركة في جميع سياحات الفقراء. وعليه أن يُظهر العدد سبعة قدر الإمكان، كأن يعدّ خطواته مثلًا.
  • على سيدي كريم أن يكون بلا انقطاع في خدمة الشيخ وأسرته، وأن يسعى باستمرار إلى إرضائهم. وعليه في عمله أن يحرص على استعمال العدد سبعة قدر الإمكان، كأن ينظر إلى الشيخ سبع مرات مثلًا.
  • على سيدي محمد السوسي أن يتعلم القواعد التي تمكّنه من تأليف كتاب، وأن يُظهر العدد سبعة في كتبه، كأن يقسمها مثلًا إلى سبعة فصول.
  • على سيدي سهيل أن يترجم بانتظام كل كتاب من كتب الشيخ ودروسه، وعليه أن يجد طريقة لإظهار العدد سبعة في عمل الترجمة والكتابة هذا.
  • على سيدي خليل أن يحرص على أن يكون سببًا للخير للجميع. وعليه أن يحرص على أن يكون حلًّا للجميع. وعليه أن يقدّم الآخرين على نفسه دائمًا، وأن يُظهر العدد سبعة في كل عمل من أعماله، كأن يساعد سبعة رجال وسبع نساء مثلًا.

ثم تابع سيدي الشيخ قائلًا لنا:

— قولوا لي، أين القبلة؟
— فنظر سيدي خليل في هاتفه وأجاب: «هي أمامك يا سيدي.»
— انظروا جيدًا أين أجلس! الشيخ في مواجهة القبلة وفي مواجهة الشمس المشرقة في وقت صلاة الضحى. فإذا نسيتم يومًا التزامكم أو صعب عليكم الوفاء به، فعودوا إلى هذا المكان الذي صار الآن مكانًا مليئًا بالبركات، واجلسوا هنا – وأشار إلى موضع خلفه ثم تابع – وجددوا نيّتكم واطلبوا ما ترغبون فيه.
— ثم سأل المريدين: هل عندكم أسئلة؟
—
فصاح سيدي خليل: إنها مسؤولية عظيمة يا سيدي!

ثم طلب سيدي الشيخ من سيدي خليل أن يعيره هاتفه، والتقط سبع صور للفقراء من وجهة نظره هو، ناطقًا بشيء وهو يفعل ذلك، ثم قال: «هذه سبع صور التُقطت هنا. لكل واحد منكم صورة. فليأخذ كل منكم صورته ويحتفظ بها عزيزةً في بيته. وإن ضعفت همّتكم في الوفاء بالتزامكم، فانظروا إليها وسترون أن الشيخ ليس فيها، لأنه هو من التقطها.»

الالتزامات السبعة

وختمنا المجلس بتلاوة جماعية لعدة سور، وقبل أن ينهض قال لنا سيدي الشيخ: «لو تعلمون، لقد نزل على هذا الجبل تجلٍّ عظيم جدًّا.»

ثم نهض شيخنا، واقترب المريدون ليقبّلوا يده. وسلك بعدها طريق الزاوية مع سيدي كريم وسيدي عبد القادر، بينما سجّل سيدي سهيل وسيدي إبراهيم وسيدي محمد السوسي موقع المكان على أجهزة تحديد المواقع. وأخذ بعضهم حصاة من الموضع الذي جلس فيه الشيخ، والتقط آخرون صورًا للمكان ليتذكر كل منهم موضعه، ثم عدنا إلى الطريق.

كنا قد مكثنا هناك قرابة ساعة. وعندما غادرنا المسالك الترابية وبلغنا الطريق، صادفنا عشرة فقراء أو أكثر كانوا يبحثون عنا منذ مدة. فالتحقوا بنا وسلكنا معًا طريق العودة إلى الزاوية.

ومنذ ذلك اليوم، الأحد 24 فبراير 2019 م / 18 جمادى الآخرة 1440 هـ، حاول كل واحد منا أن يعمل بالتزامه قدر المستطاع. وكلما نُظّمت مناسبة في زاوية ليون/كوندريو، ذهبنا بهدوء إلى هذا المكان المبارك لنجدد بيعتنا ونستفيد من بركاته ونحاول استمداد الهمّة اللازمة (التدفق الروحي) هناك باستحضار تلك اللحظة الفريدة مع شيخنا. وفي كل مرة كنا نجد هذه التلّة الصغيرة على حالها. كانت تبدو مهملة ومتروكة بين أوتاد الكروم، وفيها كثير من الأعشاب الضارة والأحراش.

وظلّ الحال كذلك إلى يوم الأحد 2 يوليو 2023 م / 14 ذي الحجة 1444 هـ. فقد كان سيدي سهيل وسيدي إبراهيم عمانويل وسيدي محمد السوسي في زاوية ليون/كوندريو، فاغتنموا الفرصة وذهبوا بهدوء لتجديد التزامهم. وبعد خمس عشرة دقيقة من المشي بلغوا المسلك الذي يؤدي إلى موضع التزاماتهم. ولاحظوا أول ما لاحظوا أن ما كان حينها مجرد مروج قد صار كرومًا واسعة خضراء. وواصلوا طريقهم حتى بلغوا التلّة، فذهلوا مما اكتشفوه هناك.

كما وصفنا آنفًا، كان خلف الصخرة التي جلس عليها سيدي الشيخ شجيرات صغيرة مهملة وكثير من الأعشاب الطويلة والأحراش، مما كان يجعل الوصول إلى هذه التلّة الصغيرة عسيرًا. أما الآن فلم يعد الأمر كذلك. فقد نُظّفت المنطقة كلها تنظيفًا تامًّا. لم تبق شجيرة ولا حرش. وكل ما كان قائمًا مكان ذلك شجرة زيتون صغيرة غُرست في الموضع نفسه الذي عاهدنا فيه الله ﷻ ورسوله ﷺ وولي الله.

قد يبدو هذا أمرًا تافهًا لبعضهم، لكنه كرامة حقيقية لمن يعرف معنى شجرة الزيتون ورمزيتها. فهي ليست شجرة كسائر الأشجار، إذ هي الشجرة المباركة بامتياز، ومن أشرف المخلوقات عند الرب. وقد وُصفت بذلك في النصوص المقدسة للأديان التوحيدية الثلاثة.

وقد ذُكرت في القرآن سبع مرات، وهو العدد الذي ألحّ عليه شيخنا طويلًا فيحيلنا إليه من جديد. ومن بين مواضع ذكرها آية تُظهر عظيم شرفها. ففي سورة التين يقسم الله ﷻ بالزيتون: «وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ۝ وَطُورِ سِينِينَ ۝ وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ» [4]

وفي تفسير هذه السورة يقول لنا سيدي محمد فوزي الكركري في أحد المجالس:

«يقسم الله ﷻ بالتين وبالزيتون وبطور سينين وبالبلد الأمين، أي مكة المكرمة. وكأن الله ﷻ شرّف هذه الأشياء التي يقسم بها (القواسم) وكرّمها فوق غيرها.»

ويضيف عن الزيتون: «هي الشجرة المباركة. يُستخرج منها ثمر وزيت ودواء، وفي أغلب الأحوال فالزيتون شجرة لا تحتاج إلى عناية خاصة من الناس. تنبت من تلقاء نفسها وتنمو من تلقاء نفسها.» [5]

وشرف هذه الشجرة مؤكَّد أيضًا من النبي ﷺ الذي نصحنا بقوله: «كلوا الزيت وادّهنوا به فإنه من شجرة مباركة.» [6]

وفي حديث نبوي آخر، مرّ معاذ بن جبل بشجرة زيتون فأخذ منها غصنًا استاك به، وقال: «سمعت النبي ﷺ يقول: ‹نِعْمَ السواك الزيتون: من شجرة مباركة، يطيّب الفم ويذهب بالحَفَر، وهو سواكي وسواك الأنبياء من قبلي›.»

والزيتون شجرة من الشرف والبركة بحيث ذُكرت صراحةً في آية النور [7] التي يصف لنا الله ﷻ فيها نوره وكيف يتجلى في قلب السالك. يقول: «اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ».

يبيّن لنا ربنا في مطلع الآية أنه نور السماوات والأرض. ولما كان هذا النور غير مخلوق، وبالتالي لا سبيل للمخلوقات إليه، فقد اقتطع منه مثلًا كاملًا بالغ السمو، هو النور المحمدي. ومنه خلق الخلق كله، كما يبيّنه لنا في حديث قدسي: «لما أردت أن أخلق الخلق قبضت قبضة من نوري وقلت لها: كوني محمدًا! ثم خلقت كل شيء من نورها.»

فنحن إذن نتحدث عن أصل الخلق كله، أصلٍ يتفرع إلى أربعة أمثلة: المشكاة والمصباح والزجاجة والكوكب الدري، وكلها صادرة عن شجرة مخصوصة مباركة: شجرة زيتونة. فيُفهم بجلاء أن الزيتونة ليست مخلوقًا كسائر المخلوقات، بل هي رمز الحضرة الإلهية، وهذا ما تؤكده الكتب المقدسة الأخرى أيضًا. ففي العهد القديم جاء في شأن نبي الله نوح: «فَأَتَتْ إِلَيْهِ الْحَمَامَةُ عِنْدَ الْمَسَاءِ وَإِذَا وَرَقَةُ زَيْتُونٍ خَضْرَاءُ فِي فَمِهَا، فَعَلِمَ نُوحٌ أَنَّ الْمِيَاهَ قَدْ قَلَّتْ عَنِ الْأَرْضِ.» [8]

وليس من قبيل الصدفة أن يقرّر ربه، في سياق نبي الله نوح وطوفان خرّب كل شيء، أن يشير إليه (إشارة) بأن الحياة صارت ممكنة من جديد على الأرض بغصن زيتون. ومن بين الخلق كله وكل ما يتكون منه، كان غصن الزيتون هو المختار لإظهار الحياة.

والأمر نفسه في العهد الجديد حيث ذُكر الزيتون مرات كثيرة جدًّا. فكثير من أحداث حياة المسيح، مثلًا، جرت على جبل الزيتون الشهير، وهو أعلى نقطة في مدينة القدس المقدسة. وهناك تناول وجبته الأخيرة وأدّى صلاته قبل الصعود (بحسب العقيدة المسيحية).

وإذا نظرنا إلى الشعائر الدينية في الأديان التوحيدية، وجدنا أن للزيتون فيها مكانة لا تقل أهمية. ففي الشعائر التوراتية يُستعمل زيت الزيتون لمرافقة القرابين، لكنه يُستعمل خصوصًا وقودًا لإضاءة الأماكن المقدسة وتطهيرها. وهذا شأن اليهودية أيضًا، إذ كانت جميع المعابد حول البحر المتوسط تستعمل زيت الزيتون لتبقى مضاءة باستمرار. كما استُعمل لإشعال الشمعدان الكبير ذي الفروع السبعة (المنورة) وسُرُج الكوّات في هيكل القدس. وعندما يشتعل زيت الزيتون يتميز بإعطاء لهب عظيم بقليل من الدخان، ولذلك يُنظر إليه على أنه رمز الحضرة الإلهية (الشكينة).

فالزيتون إذن حاضر جدًّا في الأديان التوحيدية الثلاثة. إنه يرمز إلى مصدر النور المحمدي. ويرمز إلى الوقود الذي ينزل به هذا النور ويضيء قلوب المؤمنين على هيئة الأمثلة الأربعة. ويرمز إلى ما يتيح للسائرين إلى الله ﷻ بلوغ الحقيقة الأصلية للخلق. ويرمز إلى الحياة لنوح وإلى الصعود إلى الرب للمسيح. ويرمز إلى رسالة ربنا ﷻ بجذع راسخ لا يتزعزع، وبأغصان ممتدة في كل اتجاه ليعلّق عليها كل من شاء قلبه فيُسقى بنور الحياة الروحية.

وبعبارة أخرى، فالزيتون يرمز إلى ولي الله. فجذعه يشير إلى استقامة الولي واصطفافه التام، ظاهرًا وباطنًا، مع رسول الله. وأغصانه إمكانات كثيرة لمن يريد أن يأخذ بيد الولي ليتلقى البيعة التي تتيح للنور المحمدي أن يُشعل القلوب.

ولهذه الأسباب كلها رأينا في وجود هذه الشجرة إشارة جلية جدًّا من ربنا ﷻ. وقد زاد ذهولنا أنها كانت شجرة الزيتون الوحيدة على مدى كيلومترات، فهي شجرة تنمو عادةً حول البحر المتوسط حيث المناخ أكثر اعتدالًا، لا في وسط الجبال. فلماذا غُرست إذن شجرة زيتون صغيرة وحيدة على تلّة صغيرة بين الصخور والكروم؟

وقد بلغ بنا الدهش أن التقطنا صورة لإرسالها إلى شيخنا سيدي محمد فوزي الكركري، فأجاب: «حفظكم الله، حفظكم الله. هذا دليل واضح! في كل مكان يذهب إليه ولي الله ويجتمع فيه لذكر الله، ترون شجرة مباركة تظهر، لا شرقية ولا غربية، زيتونة منيرة بإذن الله ورسوله ﷺ.»

نحن الآن في سنة 2023، وقد مضت أربع سنوات على هذه الالتزامات السبعة. وإن كنا نُعلن هذا اليوم فليس باختيار منا بل بإذن شيخنا سيدي محمد فوزي الكركري، ولنا في ذلك غاية مزدوجة. أولًا، أن نمتثل لأمر ربنا الذي يأمرنا: «وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ» [9] وهذه حقًّا نعمة استثنائية.

ثم إن كثيرين يتطلعون إلى العودة إلى الله وإلى معرفته وقربه، ويتابعون طريقنا عن كثب، لكنهم يترددون في الإقدام والالتزام بالسير الروحي مع ولي الله. ونأمل أن يدرك أصحاب القلوب الباحثة عن الحياة الروحية، من خلال هذه الشهادة، ما هي السياحة الحيّة على يد شيخ حيّ حقيقي، وليّ لله، وأن يدركوا أن هذه الطريق هي طريق الحي (الحي)، الطريق التي تعود فيها القلوب الميتة إلى الحياة بنور الحبيب ﷺ وبسليله سيدي محمد فوزي الكركري.

أليس ربنا يقول لنا: «أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا» [10]

ويقول لنا أيضًا: «أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ» [11]

وأي حق أعظم من نور الله، الذي يقول لنا عنه الحق: «اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ».


اللهم صلّ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وذريته الكرام ومن تبعهم بإحسان.

«وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ
رَبِّ الْعَالَمِينَ».


[1] سورة الأعراف.
[2] سورة الكوثر.
[3] سورة الإخلاص.
[4] القرآن 95: 1-3.
[5] مقتطف من مجلس يوم الجمعة 13 مايو 2016 م / 5 شعبان 1437 هـ.
[6] الترمذي، السنن، حديث رقم 1851.
[7] القرآن 24: 35.
[8] سفر التكوين 8: 11.
[9] القرآن 93: 11.
[10] القرآن 6: 122.
[11] القرآن 57: 16.