الشيخ محمدفوزي الكركري
قابِلنا
→ كل الأخبار

الأخبار

جولة في الزاوية الأم الجديدة

جولة في الزاوية الأم الجديدة

بسم الله الرحمن الرحيم
و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين
و على اله و اصحابه أجمعين

جولة في الزاوية الأم الجديدة

أعلنّا منذ مدة قصيرة عن افتتاح الزاوية الجديدة الواقعة في العروي، وهي بلدة صغيرة في شمال المغرب غير بعيدة عن الناظور. وسنحاول في هذا المقال أن نأخذكم في جولة قصيرة في أرجاء المكان.

بدايةً، يحسن أن نعرّف بإيجاز ما هي الزاوية. الزاوية، وتُكتب أيضًا zaouiya أو zaouia أو zawiyah (بالعربية: زاوية)، معناها «الركن». والزاوية في الأصل مكان مفتوح للجميع، مكان للقاء والاستقبال. ولذلك يمكن القول بهذا المعنى إن أول زاوية في تاريخ الإسلام هي مسجد «أهل الصفة»، أي جزء من مسجد النبي ﷺ الأول كان مفتوحًا للجميع، وكان يستقبل أساسًا أشدّ الناس حاجةً من الصحابة الذين كانوا يعيشون في فقر شديد. وقد ذكر الله تعالى هؤلاء الصحابة في قوله: «وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ». [س6، آ52]. وفي شأن هؤلاء الصحابة أيضًا، روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي ﷺ مرّ بأهل الصفة فرأى فقرهم وزهدهم فقال: «أبشروا! فإن من بقي من أمتي على الحال التي أنتم عليها وهو راضٍ بما هو فيه فهو من رفقائي في الجنة.» ولنعد إلى موضوعنا الرئيسي: فالزاوية في صورتها التقليدية مكان عيش يُقام فيه الذكر ويُسبَّح فيه الله عز وجل. ثم اتسعت وظيفة الزاوية في مجرى التاريخ وصارت مركز الجماعة. فبقيت وظيفة الاستقبال وأُضيفت إليها وظيفة التعليم. فهي مكان يُتعلَّم فيه، ويُحفظ فيه القرآن، ويُتعلَّم فيه القراءة والكتابة. وهي سند للجماعة المحيطة بها بما تقدمه من عون مادي وروحي. وفي هذا المنظور بُنيت الزاوية الكركرية في هذا الموضع النائي من بلدة العروي الصغيرة. وبعد هذه المقدمة الوجيزة عن مفهوم الزاوية، يمكننا أن نبدأ الجولة!

أولًا، هذه هي الزاوية من الخارج. نلاحظ أنها تقع في وسط قروي يسود فيه التواضع ونمط العيش المغربي التقليدي. وصوت الريح المتسللة بين البيوت وهي ترفع التراب المدكوك هو اللحن الذي يرافقنا طوال النهار. وتتخلل الحياةَ نداءاتُ الصلاة من المسجد المجاور الذي نذهب إليه، برحمة الله، كل جمعة.

جولة في الزاوية الأم الجديدة
جولة في الزاوية الأم الجديدة
جولة في الزاوية الأم الجديدة
جولة في الزاوية الأم الجديدة

ندخل الزاوية من الرواق…

جولة في الزاوية الأم الجديدة

وها نحن في القاعة التي يُقام فيها المجمع.

جولة في الزاوية الأم الجديدة

المجمع وقت يجتمع فيه جميع المريدين لإقامة الذكر، وهو يُقام كل مساء جمعة. نبدأ أولًا بقراءة سورة الكهف، ثم نقرأ السور اليومية وهي: يس والفتح والواقعة والملك. ونصلي المغرب ثم نواصل بورد الطريقة. وبعد ذلك تُقرأ بعض القصائد من ديوان شيخنا إلى أن يقودنا الحب والشوق الملتهب إلى حبيبنا ﷺ إلى الحضرة. ويُنشد الديوان في صورة غناء يسمى السماع. وفي ذلك قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: «ألا تعلم أن أفضل الجماعات جماعتهم؟ قيل: لكنهم يسمعون (السماع الروحي) ويعرفون الوجد (الوجد والجذب). قال: إنهم يدعون إلى الفرح بالله…» [نقلًا عن تنوير القلوب]. وقد أثنى كثير من العلماء على السماع وفضله الروحي، وقال ذو النون المصري رحمه الله في ذلك: «هو رسول حق (رسول حق) جاء يحثّ القلوب إلى الله. فمن أصغى إليه كما ينبغي حقّق حقيقته، ومن أصغى إليه بنفسه الشهوانية وقع في الزندقة». وبعد الحضرة تُرفع سلسلة من الأدعية للأمة كلها. ولكن ما عسى أن يكون المجمع دون درس سيدي الشيخ الأسبوعي… ففي هذه المناسبة يلقي سيدي الشيخ الدروس التي تجدونها مترجمة على المدونة. وكثيرًا ما شبّه المريدون سيدي الشيخ وهو يلقي تعاليمه بنهر لا يمكن حبس مائه. وهذا الدرس مساء الجمعة وحده يستحق عناء السفر إلى العروي. ونختم السهرة بوجبة مفتوحة للجميع، فنلتقي فيها بجيران الزاوية ومريدي الطريقة. وفي وقت متأخر من الليل نذهب إلى النوم، وقد امتلأت أعيننا وقلوبنا بالنور.

لنواصل الآن الجولة بصعود الدرج الرئيسي إلى القاعة الرئيسية للزاوية، وهي القاعة التي نعيش وننام فيها مدة إقامتنا.

جولة في الزاوية الأم الجديدة

هنا إذن يخلو المريد بنفسه مدة إقامته. نتقاسم هنا الوجبات ونعيش على إيقاع الصلوات. وفي كل مرة تكون المفاجأة في معرفة من سنلتقي في هذا المكان. فالمريدون يأتون من أنحاء العالم ويروحون دون انقطاع، وكل منهم يرغب في تأمل النور المحمدي وتذوّق معرفة ربه. ومنذ وقت قريب جاء 4 إخوة برازيليين. وجاء أيضًا إندونيسيون وكنديون وأستراليون وغيرهم. وأترك لكم أن تتخيلوا غنى اللقاءات التي تحدث في هذا المكان المبارك… فمن أراد زيارة سيدي الشيخ فليستعدّ لنمط عيش جماعي! لا مجال للانعزال في ركن، فالأخوة هنا هي الأصل. وعندما يغرس سيدي الشيخ بذرة النور هذه في قلبك، سنصير رفاقًا. وما قرأته في سيرة النبي ﷺ عن الحب الذي كان بين الصحابة الكرام ستتمكن من عيشه هنا. وثمة حديث يتحدث عن هذا الحب الذي يسود بين أهل النور: «إن من عباد الله عبادًا ليسوا بأنبياء، يغبطهم الأنبياء والشهداء.» قيل: «من هم، لنحبّهم؟» قال: «هم قوم (قوم) تحابّوا بنور الله من غير أرحام ولا أنساب. وجوههم نور. على منابر من نور. لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس.» ثم تلا: «أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ». [رواه النسائي في الكبرى وأبو يعلى في مسنده وابن حبان في صحيحه]. وكما قال أحد المريدين خير قول في شهادته المصورة: «هنا لا نقرأ القرآن والأحاديث، بل نحن فيها» و«هنا لا نتعلم التوحيد، بل نعيش التوحيد!». وفي هذه القاعة أيضًا يقضي سيدي الشيخ معظم يومه، جالسًا بجانب مريديه… يجيب عن جميع أسئلتنا، ويأكل معنا، ويصلي معنا.

جولة في الزاوية الأم الجديدة

مثل هذه البساطة تثير الدهشة في المرة الأولى، بل وفي المرات التالية أيضًا. وليس أصدق من كلمات الإخلاص لتعكس هذه الحقيقة، فإليكم كلمات أخت (اسمها المستعار: غبار كركرية) لقيت سيدي الشيخ محمد فوزي الكركري (قدّس الله سره) لأول مرة: «إلى جميع إخواني وأخواتي، ما أعيشه الآن جميل جدًّا حتى إنني أتمنى أن تعيشوه جميعًا… حقًّا إن أردتم الله، أن تحبوه بكل قلبكم، وتحسّوا به، وتروا نوره… نحن لا نستحق شيئًا من هذا، حقًّا لا نستحقه، لكن الله يمنحنا إياه رغم نفوسنا الفاسدة… إن كنتم تريدون الله سبحانه وتعالى حقًّا… تعالوا إلى الناظور… والله يا إخواني وأخواتي إن في الناظور وليًّا… إن كنتم تريدون الله فتعالوا لتروا وليّه… إنه يعامل مريديه كما تعتني الأم برضيعها، تحضنه وتغذيه حتى يكبر… يأخذنا من يدنا ويقودنا شيئًا فشيئًا إلى الله… لي أكثر من سنة وأنا كركرية، لكنها المرة الأولى التي أزور فيها سيدي الشيخ… إنه لا علاقة له بالصور… إنه كريم جدًّا ولطيف جدًّا… يطمئننا ويواسينا حين نبكي… يمنحنا الشجاعة حين نشعر بالضعف… يُرينا عيوبنا واحدًا واحدًا وينزعها عنا… لم أفهم حقًّا مفهوم طبيب القلوب إلا الآن… إنه كنز… أكرر ذلك لأنه يستحيل عليّ أن أسكت… لكل من غايته الله سبحانه وتعالى… تعالوا إلى الناظور إن شاء الله.»

أما القاعة الرئيسية للعيش، فتوجد مثلها في الطابق الذي يعلوها مباشرة وهو مخصص للأخوات. فالطابقان الأول والثاني متطابقان إذن. وبعد هذه الكلمات المفعمة بالحب، نواصل زيارة هذه الزاوية المباركة. وكما قلنا، فالحياة في الزاوية جماعية، سواء داخلها في نمط عيش المريدين أو في محيطها. وبالنسبة للمريدين، لا تخلو الحياة الجماعية من مهام جماعية… ولذلك يوجد مطبخ في متناول المريدين ومغسل لتنظيف الثياب.

جولة في الزاوية الأم الجديدة

جولة في الزاوية الأم الجديدة

التقليد والعون والاستقبال: البئر العمومية

أما في محيطها، فقد بُنيت الزاوية مراعاةً للروح التقليدية، روح العون والاستقبال. فمعظم الناس الذين يعيشون في جوار الزاوية لا يتوفرون للأسف على ماء جارٍ. وعندما استقر سيدي الشيخ في هذه القرية قرر أن علينا أن نيسّر حياة السكان. فبنينا بئرًا في متناول أهل القرية. وإليكم بعض الصور لبعض مراحل بناء هذه البئر.

جولة في الزاوية الأم الجديدة
جولة في الزاوية الأم الجديدة
جولة في الزاوية الأم الجديدة
جولة في الزاوية الأم الجديدة

وهذه هي النتيجة النهائية!

جولة في الزاوية الأم الجديدة

جولة في الزاوية الأم الجديدة

انتهى بناء البئر أخيرًا ووُضعت في متناول أهل القرية. ويتولى أطفال القرية الإتيان بالماء لأسرهم.

جولة في الزاوية الأم الجديدة
جولة في الزاوية الأم الجديدة
جولة في الزاوية الأم الجديدة

تقترب الجولة ببطء من نهايتها، لكن قبل ذلك يبقى أن نعرّفكم بقاعة بالغة الأهمية في الزاوية وفي مسيرة المريد أيضًا. هذه القاعة هي الخلوة! وقد اعتدنا تسميتها باسم ما يُفعل فيها، أي الخلوة الروحية. فبعد مدة معينة (تختلف من شخص إلى آخر) تُقضى في تنمية هذا النور الذي يُتلقى عند العهد بالأعمال الصالحة والذكر وقراءة القرآن… وبعد نيل جميع المشاهدات (الرؤية في حال اليقظة) لإتمام «الجملة الروحية»، يقرر شيخنا أن المريد صار أخيرًا مستعدًّا للخلوة. وتجري هذه الخلوة في قاعة ينقطع فيها المريد عن العالم مدة 3 أيام. وتوجد مرافق صحية بجوار القاعة حتى لا يلتقي أحدًا أثناء خلوته. والشخص الوحيد الذي يراه المريد هو سيدي الشيخ الذي يأتي ليقول له متى ينهض ومتى ينام. ويحمل إليه سيدي الشيخ أيضًا وجبة الإفطار. وفي هذه الخلوة سيرى المريد اتساع الكون (الفتق) راجعًا إلى حالته المنضمّة (الرتق). يقول الله تعالى : «أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ». [سورة الأنبياء، الآية 30]. «أي: أولم ير الذين ستروا (لأن كفر في لغة العرب معناه غطّى وستر…) الحقيقة الباطنية، وخصوصية الذات الأولى، وهي أن السماوات الروحية والأرضين الجسمانية كانت مادة منضمّة ثم بسطناها بالوحدانية فأظهرنا الكثرات الوهمية. وأنشأنا من الماء الإلهي المتعالي كل كائن حي، وحفظنا فيهم التوازن بميزان العدل، فأعطينا كل اسم إلهي حظّه الفعلي. ومقام الجمع الروحي أصل من أصول المنهج التربوي عند الصوفية، ومن لم يبلغ مقام الجمع فليس له في الحقيقة نصيب من الشهود… ومن لا نصيب له في الشهود فلا نصيب له في معرفة الإله (المعرفة). ومن ثمّ فإن ردّ السماوات السبع والأرضين السبع والكرسي والعرش الممتدة إلى حالة انضمامها الأصلية أصل من أصول طريقنا، حتى يتضح للسالك دور الواحد في مراتب العدد المختلفة… فيرى أفعال الحق من خلال مراتب أفعال العباد المختلفة، بحيث لا يرى فعلًا إلا وهو منه سبحانه. وفي ختام ذلك يهب شيخنا سرّ التوحيد الذي هو وراء كل رؤية وكل عبارة وكل إشارة. وهذا السر ليس سر كلمات، بل هو سر يُعطى من القلب إلى القلب كما تلقّينا النور عند العهد.» [الكواكب الدرية في بيان الأصول النورانية (مولانا سيدي محمد فوزي الكركري)].

ويقول شيخنا أيضًا في شأن من تلقّاه: «من هذه اللحظة سيشاهد الوجود الوهمي بالله. وحينئذ يظهر الاسم الإلهي وسننه، وتتلاشى الصورة ومزاعمها. ويتكلم الوقت الحاضر بلسان أزلي، وتُشاهَد الوحدة في قلب الكثرة ذاته، ويُختطف الروح ويُسلب بمشاهدة الجمال الأزلي. وعندئذ يُفهم أن هذه الكثرة لا وجود لها في ذاتها في الحقيقة وأنها ظل زائل. فيُدرك الشيء حينئذ موجودًا بالذات الحقيقية لا بنفسه. وتنطفئ مدركات ما سوى الله، ويفنى السالك في بحر الهاء.»

وهذه هي القاعة المباركة التي تجري فيها الخلوة. ويلاحظ أن هناك اثنتين في طابق الرجال وواحدة في طابق النساء، فهنّ أيضًا يقمن بالخلوة.

صورة

وهكذا تنتهي زيارة زاوية سيدي الشيخ محمد فوزي الكركري المتواضعة… نرجو أن نكون قد أزلنا شيئًا من الغموض عن المكان وأثرنا فيكم الرغبة في زيارتنا. لكن الأهم هو لقاء سيدي الشيخ. فسيدي الشيخ يريد لهذه الزاوية أن تكون مكانًا للمشاركة واللقاء والأخوة في الله. وإن أردتم أنتم أيضًا أن تشاركوا في هذا الاندفاع نحو حب الإلهي، فلا تترددوا، فأنتم تعرفون الآن أين نحن…