الدروس
مجلس الشيخ: ترتيب الآيات

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وجميع أصحابه.
مجلس الشيخ: ترتيب الآيات
25 يناير 2016
هذا النص محاولة لتفريغ درس لسيدي الشيخ. فهو ليس ترجمة حرفية لما قاله شيخنا، بل تفريغ لإشارات لفهم بعض آيات القرآن. وهو إذن إشارة لطالب الحق ليجري التحقيق بنفسه في العناصر التي ستُعطى. والذكي سيأخذ عناصر الجواب هذه ويعيد تركيب اللغز ليدفع الفهم إلى ما وراء ما يمكن كتابته في هذا المقال. فاعلم إذن أن ما يلي ليس ثمرة المصادفة وأن لكل عنصر أهميته…
لنبدأ هذا التفريغ بهذه المعلومة التي أعطانا إياها سيدي الشيخ. فقد أخبرنا أن ترتيب الآيات، وترتيب نزولها، يدلّنا على طريق نسلكه… وهذا منذ أن ينقل لنا الشيخ النجم: «وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ» [النجم: 1-2]. هذا النجم، وكذلك الارتقاءات الروحية التي تتجلى على قلب المريد في الثلث الأخير من الليل، قبل صلاة الصبح بساعة أو ساعتين. وهكذا فالصلاة جماعةً ترفع المؤمن 27 درجة، والنظر إلى الكعبة يرفع 500 درجة، والصلاة أمامها ترفع 1000 درجة، والتأمل في البيت المعمور («وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ» [الطور: 4]) يرفع عددًا لا نهائيًا من الدرجات. فافهم هذا!
ثم أعطانا سيدي الشيخ الإشارة بأن الله تعالى يقول في سورة الرحمن الآية 33: «إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ». وهذه القوة المقصودة تُنقل إلى المريد عند عهد البيعة مع سيدي الشيخ محمد فوزي الكركري (قدّس الله سرّه)، ما دام هذا العهد محفوظًا، كما يذكر الله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا» [الفتح: 10].
فانظر كيف تُقدّم الآيات التي يبدو أنه لا صلة لها بالسلوك نصائح ثمينة لطالب الحق… وفي موضع لاحق من سورة الرحمن (الآية 35)، يكشف لنا الله: «يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ […]»، فحين يتأمل السالك النور، يميل إلى النظر حوله، والمهم أن يبقى دائمًا مركّزًا على النقطة التي في مركز رؤية القلب. فإن أعرض المريد عن هذا المركز، يقول لنا الله تعالى في الآية نفسها: «[…] فَلَا تَنتَصِرَانِ». فلا يضطرب المريد من «شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ»، وليثبت ثباتًا على المركز حتى يحقق الآية التالية «فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ». وفي العربية استُعملت كلمة «وردة» التي تعني «الزهرة»: «فإذا انشقت السماء فكانت وردةً قانية». فإذا بلغ طالب الحق هذه المرحلة قيل له: «فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ» [الرحمن: 39]. وهذه الآية تدل بالطبع على المقام العظيم لمن يبلغونه… وهي تذكّرنا أيضًا بأن من يدّعون السلوك دون المرور بباب وارث النبوة (قدّس الله سرّه) يمكن أن يروا أنوارًا وأن تكون لهم رؤى، لكنهم لا يمكنهم بحال بلوغ هذا المقام… هذا المقام المخصص حصرًا لمن يتبعون الطريق النبوي والنور الأصيل الذي أنزله القرآن. فرؤاهم محدودة في الحقيقة بعالم النفس الذي يصول فيه إبليس اللعين ليوسوس فيه. فيظن الشخص أنه يسلك بينما هو على العكس يضل عن الطريق أكثر فأكثر. أتريد علامة فارقة لتعرف هؤلاء؟ قل لهم فقط إن معرفة الله لا تُنال إلا بالمرور بالوليّ الذي أقامه الله، وراقب جوابهم…
فلنتقدم تدريجيًا في هذا اللغز ولنلاحظ الإشارة التالية التي أعطانا إياها سيدي الشيخ… وكما قيل أعلاه، لكل ما يعطيه الشيخ معنى، وها هنا يحدثنا سيدي الشيخ عن الكيفية التي سيُعرف بها المجرمون يوم الحساب. قال الله تعالى: «يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ […]» [الرحمن: 41]. فيسألنا سيدي الشيخ محمد فوزي الكركري: «كيف هو وجه من يطلب النور، من يتأمل النور كل يوم، صباحًا ومساءً؟»
فأجاب أخ: «من نور»
وتابع سيدي الشيخ: «وكيف هي نظرة من لا يتأمل إلا الظلمة كل يوم، المنهمك في شؤون هذه الدنيا ولا يطلب النور، فلا ينظر إلا إلى الظلمات؟»
…إنها مظلمة، وبذلك سيُعرفون!
«[…] فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ هَٰذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ» [الرحمن: 41-43] ويتبعها بعد آيات قليلة: «وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ» [الرحمن: 46]، وقال سيدي الشيخ عن هذه الآية: «جنة في هذه الدنيا وجنة في الآخرة». فإن كنت طالبًا للحق – سبحانه وتعالى – فاسأل نفسك أي جنة هي هنا في الدنيا…
ثم تناول سيدي الشيخ الآية الأولى من سورة «القمر»: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ»، وشرح لنا أن بعض من بلغوا هذه الرؤية ويرون عجيبة يعرضون عنها ويقولون «[…] سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ» [القمر: 2] و«[…] وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ […]»، يقول الله تعالى عنهم: «وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الْأَنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ». هؤلاء هم الأكثر ميلًا إلى إثبات وجود نفسهم. لكن لماذا يتعلقون كل هذا التعلق بإثبات حقيقة هذه الظلمات التي يتأملونها؟
تلك هي الفرق بين من يريد الله ومن يريد الحياة الدنيا. كلٌّ يريد أن يتأمل ما يتشوّق إليه قلبه. فالضال سيتشوّق إلى تأمل الظلمات والمهتدي إلى تأمل نور ربه. وهذا ما قيل لنا في الآية الأولى من سورة «الطور»، التي تحيل إلى طلب سيدنا موسى أن يرى الله تعالى. فانظر إلى ما يتشوّق إليه نبي! فأجاب الله طلبه وقال له أن ينظر في اتجاه الجبل، الذي تفتّت، فأُغمي على سيدنا موسى. وبعد ذلك تاب فورًا… ويخبرنا شيخنا أن هذا النور الذي يراه المريد الكركري هو الذي فتّت الجبل. غير أن سيدي الشيخ ينقله تدريجيًا (يزداد أكثر فأكثر) لنتمكن من تحمّل ثقل تأمله. ويشبّه سيدي الشيخ الجبل بالزاوية، فاربط أنت بنفسك، يا طالب الحق، لتعرف كيف يرتبط الجبل بالزاوية في طلب الرؤية هذا.
وأخيرًا حدثنا سيدي الشيخ عن أهمية القيام في الثلث الأخير من الليل، مشيرًا إلى سورة «القدر»: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ»، وهو ما يعادل 83,33 سنة. ومن لا يقوم في الثلث الأخير يفقد 83 سنة من الخيرات في عبادة الله. «تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا […]»، والروح هي روح محمد، لكن هذا لا يصح إلا لمن يرون النور. ولهذا فالكركريون أبناء الليل، لأنهم يتركون في الليل جزءًا من النوم ليستغفروا الله تعالى ويذكروا اسمه الأعظم «الله». أليس في وسط الظلام الدامس يكون النور أوضح ما يكون؟
