الدروس
(درس) معرفة الله بجماله السامي

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وجميع أصحابه.
مجلس الشيخ المربّي سيدي محمد فوزي الكركري – رضي الله عنه –
درس يوم الجمعة 30 ماي 2014
معرفة الله بجماله الأسمى
بمناسبة المجمع الأسبوعي في وجدة، خصّص سيدنا الشيخ (قدّس الله سرّه) درسه للحديث عن «الجمال»، أي الجمال الأسمى للخالق، قائلًا إنه لا يمكن حمد ربنا دون معرفة جماله… وإنه حين يكفّ المرء عن رؤية نفسه، وحين يُفني نور الإيمان فينا مفهومَي الزمان والمكان، وحين لا يرى المريد قبلًا ولا بعدًا ولا أمامًا ولا خلفًا… يدرك عمق الآية: «فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» [البقرة: 115]. وللوصول إلى هذه الحقيقة وتذوّقها، وضع الله – سبحانه وتعالى – في متناولنا بابًا واحدًا فقط: اتباع القدوة العليا، سنة نبينا… وكما قالت لنا أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها): «أول ما بُدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ثم حُبّب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء فيتحنّث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله».
فأول سنة أُرسيت إذن هي الاعتزال في غار، والخلوة بالنفس للوصول إلى معرفة الخالق، وفقًا للقول: «من عرف نفسه فقد عرف ربه». والخلوة، أو الاعتكاف الروحي، هي باب الدخول الوحيد إلى المعرفة العليا برب العالمين. وهي كذلك باب باتجاه واحد، باب إذا عُبر لم يسمح بأي رجوع بأي وجه. فحين يدرك المريد عدمه هو ويشهد وجود من لا بداية له ولا نهاية، لا يمكنه أن يلتفت ليستند من جديد إلى ما هو عدم. ومن عبر هذا الباب وجد الله: فكيف يعود من وجد الله إلى خلقه؟ ثم شرح لنا سيدنا الشيخ أن كل نبي من الأنبياء (صلوات الله عليهم أجمعين)، خلال خلوته، نال عين الوجود بحسب مقامه، وأنها تجلّت لسيدنا داود على هيئة نجمة سداسية، ولسيدنا موسى على هيئة نجمة خماسية، أما سيدنا محمد فتلقّى البسملة بكتابتها المرقومة (أي ثلاث نقاط تشكّل مثلثًا).
وفي الحديث، قال لنا رسول الله: «تفكّروا في خلق الله ولا تتفكّروا في ذاته». وفي الحقيقة نحن جميعًا نسبح في البحر نفسه، لكن كلًّا منا يرى قربه من ربه بحسب ما فيه… وفي الحقيقة لا يستطيع أهل الله أن يتحدثوا مباشرةً عن عظمته. فيلجؤون إلى الخلق، يعبّرون من خلاله عن حبهم للخالق. فوصف بعضهم الفجر الطالع، وتحدث آخرون عن حبّ امرأة، وشبّه آخرون استنارة قلوبهم برؤية الشمس أو القمر… وهكذا. وحين يستقر النور الإلهي في قلوب العاشقين، وحين يدركون أنهم يمشون في الحقيقة على هذا النور، نراهم يخلعون نعالهم على طريقة سيدنا موسى: «فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى» [طه: 11-12]. ويُروى كذلك أن الإمام مالكًا (رضي الله عنه) كان يمشي حافيًا في المدينة، قائلًا إنه يرى نفسه عاجزًا عن أن يطأ بنعليه أرضًا وطئها رسول الله… ومن ظن أن ذلك خاص بمدينة النبي المباركة فقد أخطأ: فحيثما ذهب الإمام مالك كان حافيًا، لأن نور الحبيب لا حدّ له إلا في قلب أعماه الظاهر…
وبعبادة الله بالجمال يُتذوّق طعم الصلاة والصيام… ولا يمكن لحبّ الجمال أن يولد في القلوب إلا بنور الجمال… وهذا النور مرآة، ورسول الله، الموصوف في القرآن بأنه نور، يقول لنا: «المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن»… والمؤمن بامتياز ليس سوى النبي نفسه، الذي رآه الصحابة يبكي قبل وفاته بأيام، فسُئل: «ما يبكيك يا رسول الله؟» فأجاب: «اشتقت إلى إخواني!»… فلنفهم جيدًا إذن من هم إخوان الحبيب.
والمريد الذي يعرف الله بالجمال سيتذوّق الطعم الحقيقي للذكر، وحين يأتيه الليل سيتوجه إلى ربه، ويتخذ السماء غطاءً، ويبدأ يحدّث النجوم واحدة واحدة… وسيكتشف كيف تذكّر كل واحدة منها بالخالق… والعاشق الذي تغمره الأنوار التجلّية لن يرى إلا الجمال في كل شيء، وسيخلع نعليه ويُدمي قدميه بالأشواك والحصى دون أن يشعر بأدنى ألم، مغمورًا بتجليات جمال ربه الأسمى. وأخيرًا، للختام، حذّرنا سيدنا الشيخ (قدّس الله سرّه) قائلًا إن من أحبّ الله فليستعد للابتلاء… ومن أحبّ رسول الله فليستعد للفقر… ومن أحبّ سيدنا علي (كرّم الله وجهه) فليستعد لأن تنتصب في وجهه الأعداء…
أما من يدّعي حبّ الله ولا يُبتلى ابتلاءً شديدًا في حياته… ومن يدّعي حبّ رسوله ولا يعيش فقيرًا… ومن يدّعي حبّ سيدنا علي دون أن يكون له أعداء يريدون سدّ طريق الحق عليه… فاعلموا أنه ليس أكثر ولا أقل من كذّاب.
