الدروس
السياحة عند أئمة التصوف: المشي طلبًا لله
تاريخ وأخبار ونصوص في السياحة الروحية، من القرآن إلى أئمة المغرب العربي

الخروج إلى الطرقات بلا وجهة، متوكّلًا على الله في الرزق: هذا النوع من السفر الزهدي، المسمّى «السياحة»، يخترق تاريخ التصوف كله. ويتتبع هذا المقال أسسه، والأعلام الذين مارسوه، والنصوص التي تحدث فيها الأئمة عنه، والنقاشات التي أثارها.
ما هي السياحة؟
كلمة السياحة العربية مشتقة من الجذر س-ي-ح الذي يوحي بمعنى الذهاب والمجيء والتجوال. وتدل في الأدب الصوفي القديم على صورة خاصة من السفر: التجوال في عزلة دون زاد، مارسه بعض الزهاد والصوفية. وهي تتميز عن السفر، الكلمة الأعمّ التي تشمل جميع الرحلات في الثقافة الإسلامية الوسيطة (الحج وطلب العلم والتجارة وزيارة الأئمة).
وتبيّن الباحثة أرين سلامة قدسي، في دراستها «Crossing the Desert: Siyāḥa and Safar as Key Concepts in Early Sufi Literature and Life» (Journal of Sufi Studies، 2013)، أن السفر كان نمط حياة زهديًّا شائعًا بين أوائل الصوفية بين القرن الثالث/التاسع والقرن السادس/الثاني عشر. وكان بعض الأئمة يرون في السياحة وسيلة لتيسير اليقظة الباطنة، وهو ما تسميه الطريقة «علم الباطن» (ʿilm al-bātin).
وتتكرر في النصوص فكرتان باستمرار: التجرد (ترك الوطن والعادات والأمان المادي) والتوكل على الله، أي الاعتماد عليه في الطعام والمأوى والطريق.
الأسس: القرآن والسنة النبوية
يدعو القرآن مرارًا إلى «السير في الأرض» للنظر والتأمل: «قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ» (29: 20)؛ «ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ» (6: 11؛ وانظر أيضًا 3: 137)؛ «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ» (67: 15). تتحدث هذه الآيات أولًا عن السفر والتأمل، وقد وجد فيها الصوفية مشروعية للمشي الروحي.
وفي آيتين (9: 112 و66: 5) ورد لفظ السائحون / السائحات، من جذر السياحة نفسه، ضمن صفات المؤمنين. ويفسّره المفسرون تفسيرات شتى: فكثيرون يرون فيهم الصائمين (وهو القول المروي عن ابن عباس)، لأن الصائم يحرم نفسه، كالمسافر، من ملذات الدنيا؛ ويفهم آخرون منهم المهاجرين بدينهم أو المسافرين لطلب العلم.
وروى أبو داود (رقم 2486) حديثًا أن رجلًا استأذن النبي ﷺ في السياحة، فقال له: «إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله.» وكثيرًا ما يُستشهد به في سياق عبارة «لا رهبانية في الإسلام»: فهو يدعو إلى ألا يتحول التجوال إلى تخلٍّ عن الحياة الاجتماعية. وثمة حديث آخر، رواه البخاري عن ابن عمر، عزيز على الصوفية: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل.»
وهذا التوتر بين الزهد الجوّال الذي مارسه الأئمة والتحذير من تخلٍّ منقطع عن الجماعة يخترق تاريخ السياحة كله.
القرون الأولى: أمراء وزهاد ومشّاؤون
إبراهيم بن أدهم (ت. نحو 777-782) هو النموذج الأصلي للحاكم الذي صار هائمًا. كان أميرًا في بلخ، على ما تروي الرواية، فتخلى عن عرشه وثروته ليعيش عيش درويش جوّال. وتصوره الأخبار متجولًا في الشام، ملتقيًا بمكة بأعلام مثل سفيان الثوري والفضيل بن عياض، عاملًا بيديه ليعيش. وقد غذّت حكايات حياته جميع كتب تراجم الأولياء، حتى «تذكرة الأولياء» للعطار.
ذو النون المصري (ت. نحو 860)، المؤسس للتصوف المصري، سافر في مصر والجزيرة العربية والشام وفارس، عند أئمة مختلفين. وقد جمعت الأجيال اللاحقة أقواله في معرفة الله (المعرفة).
أبو يزيد البسطامي (ت. 874-877)، بحسب التقليد المنقبي، غادر قريته بعد أن نال بركة أمه وتجول من بلد إلى بلد ثلاثين عامًا، في سهر وجوع، قبل أن يعود إلى بسطام.
إبراهيم الخواص (ت. نحو 904)، الذي يسميه الفارسي الهجويري «رئيس المتوكلين»، هو الاسم الأكبر للتوكل في السفر. وتصوره أخباره ماشيًا في الصحراء بلا زاد؛ وإحدى هذه الأخبار تروي كيف أحسّ بعد ثلاثة أيام بلا طعام ولا شراب بالشك يمرّ به فاستخلص منه عبرة. وتُنسب إليه عبارة تلخص الموقف: ألا يحمّل المرء نفسه ما تكفّل الله به، وألا يضيّع ما اؤتمن عليه. وبعده، يُقال إن جعفر الخلدي (ت. 959) حجّ إحدى وعشرين حجة إلى مكة ماشيًا، بلا ماء ولا طعام، على طريقة التوكل على الله.
ما تقوله كتب الطريق
ابتداءً من القرن الحادي عشر، أدخلت المصنفات الكبرى التي نظّمت التصوف مسألة السفر. فقد خصصت «الرسالة» للقشيري (1045)، وهي أكثر الكتب انتشارًا في العالم الإسلامي، بابًا لآداب السفر ووصفت سلوك الصوفي المنتظر منه في الطريق. أما «كشف المحجوب» للهجويري (ت. نحو 1072)، أقدم مصنف فارسي في التصوف، فيدين كثيرًا لمؤلفه، وهو رحّالة كبير: فقد جاب الهجويري خراسان والعراق والشام وتركستان وما وراء النهر قبل أن يستقر بلاهور، وعلى هذه الطرق التقى بالأئمة الذين ينقل أقوالهم. وتتناول «عوارف المعارف» لشهاب الدين السهروردي (ت. 1234)، وهي كتاب آخر واسع الانتشار، آداب المسافر أيضًا.
ويوصي الأئمة فيها عمومًا بالخروج بإذن الشيخ وبصحبة إخوان، وبالبقاء على طهارة، والصلاة في الطريق، واجتناب إثقال الغير، وعدم تعريض النفس للخطر دون داع. وتظهر السياحة المنفردة تمامًا دون زاد حينئذ طريقًا مخصوصًا بقلة، قائمًا على توكل مجرّب على الله.
والمفردات نفسها كاشفة: فكتاب منازل السائرين لعبد الله الأنصاري الهروي (ت. 1089) يصف التقدم الروحي بأنه سفر (سير) في مئة منزلة. وهكذا غذّت الحركة الخارجية للسياحة الاستعارة المحورية في التصوف، استعارة الطريق الباطن: السالك (سالك) والطريقة (طريقة) والمقامات (مقامات).
الغزالي: مغادرة بغداد للمشي
من أحسن الأخبار توثيقًا خبر أبي حامد الغزالي (1058-1111). كان أستاذًا مشهورًا بمدرسة النظامية ببغداد، فمرّ بأزمة روحية رواها هو نفسه في سيرته الذاتية «المنقذ من الضلال». وفي نوفمبر 1095 غادر بغداد. فأقام بدمشق، ثم قصد القدس والخليل، وبلغ المدينة ومكة لحج نوفمبر-ديسمبر 1096، ثم عاد إلى دمشق حينًا، ورجع أخيرًا إلى وطنه طوس.
ويتحدث المترجمون القدامى أحيانًا عن عشر سنوات قضاها في الشام؛ ويذكّر الباحثون بأنه، بحسب «المنقذ» نفسه، مكث فيها نحو سنتين. غير أن مجمل مدة الخلوة والأسفار تبلغ نحو عشر سنوات: فقد استأنف الغزالي التدريس سنة 1106 في نيسابور. وتمثل حالته نمطًا متكررًا: المشي والخلوة زمنَ تحوّل، يعقبهما عودة إلى التبليغ.
عبد القادر الجيلاني: خمس وعشرون سنة في صحارى العراق
عبد القادر الجيلاني (نحو 1077-1166)، مؤسس القادرية، يُروى أنه جاء شابًّا إلى بغداد للدراسة. وتقول الرواية المنقبية إنه عاش بعد ذلك خمسًا وعشرين سنة منعزلًا، هائمًا في صحارى العراق، قبل أن يظهر من جديد في بغداد سنة 1127، وهو في نحو الخمسين، ويصير بها واعظًا كثير الأتباع. وقد جُمعت مواعظه في كتب مثل فتوح الغيب. وكما هو شأن هذا النوع من الأخبار، فإن التسلسل الزمني الدقيق من مرويات التقليد أكثر منه من الأرشيف، لكن صورة الشيخ الخارج من الصحراء ليعلّم صارت نموذجًا.
في المغرب العربي: مشّاؤون وأئمة
للمغرب العربي تقليد عريق من الأئمة الجوالين. فـأبو يعزى (ت. نحو 1177)، الشيخ الأمازيغي الأمّي من الأطلس المتوسط، كان يعيش في جبال منطقة خنيفرة؛ ويقول المترجمون إن مريدين كثيرين قصدوه. وأحد تلاميذه، أبو مدين (ولد نحو 1115 قرب إشبيلية، ت. 1198)، صار إمام المغرب العربي الأكبر: كان راعيًا في صباه، فذهب إلى مراكش ثم إلى فاس للتعلم، قبل أن يستقر في بجاية حيث درّس. واستُدعي إلى الخليفة الموحدي، فمات في الطريق قرب تلمسان، حيث دُفن في العباد. ومسألة رحلته إلى المشرق محل نقاش بين الباحثين.
وأبو الحسن الشاذلي (1196-1258) غادر المغرب بحثًا عن شيخ، ومرّ بالعراق، وعاد إلى المغرب العربي حيث وجد عبد السلام بن مشيش على جبل العلم، واستقر بتونس ثم بالإسكندرية، وتوفي سنة 1258 بحميثرة وهو في طريقه إلى الحج. وبقي اسمه مقترنًا بإحدى أكبر الطرق الصوفية.
وابن عربي (1165-1240)، المولود بمرسية والمتكوّن بإشبيلية، كرّس نحو عشر سنوات للتجوال في الأندلس وشمال إفريقيا للقاء الأئمة (تونس وفاس وقرطبة). وفي سنة 1202 خرج من القاهرة إلى القدس ثم مكة حيث شرع في الفتوحات؛ ثم سافر إلى الأناضول والشام واستقر بدمشق حيث توفي. وتصف كتاباته السفر تارة انتقالًا حقيقيًّا، وتارة صورة للطلب الباطن.
وفي زمن لاحق، غادر أحمد زروق (1442-1493) فاس، وأقام بالمدينة والقاهرة، ودرّس بالأزهر، وختم حياته بمصراتة؛ وأحمد التجاني (1737-1815)، مؤسس التجانية، عالم جوّال مرّ بتلمسان وفاس وتونس ومكة (1773) والمدينة والقاهرة قبل أن يستقر؛ وأحمد العلاوي (1869-1934) قام، بعد وفاة شيخه سنة 1909، برحلة دامت شهورًا إلى تونس وطرابلس وإسطنبول قبل أن يستأنف قيادة طريقته بمستغانم.
المشرق وآسيا الوسطى: دراويش وهائمون في الله
في العالم الفارسي والتركي اتخذ تقليد الدراويش الجوالين صورًا ظاهرة جدًّا. فـالقلندرية زهاد هائمون انتشروا ابتداءً من القرن الثاني عشر في خراسان ثم آسيا الوسطى والهند والأناضول ومصر؛ وبلا قاعدة مشتركة ولا انتساب إلى طريقة واحدة، جعلوا من التجوال والفقر والتجرد نمط حياة.
وشمس التبريزي (نحو 1185-1248)، رفيق الرومي، قضى معظم حياته درويشًا هائمًا، بحثًا عن رفيق روحي: يُذكر في بغداد ودمشق وحلب وقيصرية وسيواس وغيرها، قبل لقائه الحاسم بالرومي في قونية. وفي الهند، صحب معين الدين الجشتي (نحو 1142-1236)، وهو من سجستان، شيخه عثمان هاروني نحو عشرين عامًا عبر البلدان، ثم بلغ، على ما تروي الرواية، سمرقند وبخارى وبغداد ومكة والمدينة ولاهور قبل أن يستقر في أجمير نحو 1192، حيث ستولد الجشتية.
نقاشات وانتقادات
لم تحظَ السياحة قط بالإجماع. فقد حذّر عدة فقهاء من الخروج بلا زاد، لأنه يعرض المسافر للخطر ويجعله يعتمد على الآخرين، أو من التخلي عن الأسرة والحياة الاجتماعية. وانتقد مؤلفون مثل ابن الجوزي (ت. 1201) في تلبيس إبليس الممارسات الصوفية التي رأوها مفرطة، وغالبًا في بعدها العلني، مع اعترافهم بقيمة التقوى الصادقة.
وردّ أئمة الصوفية من جانبهم بتأطير الممارسة: السفر بإذن المرشد، وبصحبة الإخوان، مع احترام الشريعة ودون إهمال الواجبات تجاه الأهل. وانتهى كثيرون إلى حصر السياحة في مدة محددة يعود بعدها السائح إلى جماعة. وفي هذه النصوص التجوال مرحلة وليس حالًا نهائيًّا.
ما يعلّمه المشي
وراء تنوع العصور والأماكن، ترسم أخبار السياحة بعض الثوابت. فالمشي مدرسة تجرد أولًا: بلا بيت ولا ذخائر، يكتشف المسافر ما يمكنه الاستغناء عنه. وهو أيضًا مدرسة توكل (tawakkul): فالرزق والمأوى والاتجاه لم تعد مخططة بل مستقبَلة. ويعلّم أخيرًا التواضع والخدمة: فالسائح يعتمد على ضيافة من يلقاهم ويتعلم أن ينظر إلى كل لقاء بوصفه هبة.
وفي أغلب التراجم ينتهي المشي إلى لقاء: لقاء شيخ (شمس التبريزي والرومي، والشاذلي وابن مشيش، ومعين الدين الجشتي وعثمان هاروني)، وأحيانًا إلى عودة إلى التعليم (الغزالي في نيسابور، والجيلاني في بغداد). فالتجوال ليس الغاية: إنه يهيّئ القلب لما يأتي بعده.
مسيرة الشيخ محمد فوزي الكركري
وفي هذا التقليد العريق تندرج مسيرة الشيخ محمد فوزي الكركري التي دامت عشر سنوات عبر المغرب، من 1994 إلى 2004: تجوال منفردًا بلا وجهة، طلبًا لربه، وانتهى بلقاء شيخه مولاي الحسن سنة 2004. وقد تحدث عنها بنفسه سنة 2023 في جامعة شيكاغو، في حوار حول «المشي بوصفه ممارسة روحية».
اقرأ: مسيرة عشر سنوات عبر المغرب→
المصادر وللمزيد
- Arin Salamah-Qudsi, «Crossing the Desert: Siyāḥa and Safar as Key Concepts in Early Sufi Literature and Life»، Journal of Sufi Studies 2/2 (2013)، ص 129-147.
- أبو القاسم القشيري، الرسالة القشيرية (1045).
- علي الهجويري، كشف المحجوب (القرن الحادي عشر).
- أبو حامد الغزالي، المنقذ من الضلال؛ مادة «الغزالي» في موسوعة الإسلام، ghazali.org.
- عبد الله الأنصاري الهروي، منازل السائرين.
- ابن الجوزي، تلبيس إبليس (القرن الثاني عشر).
- أبو داود، السنن، رقم 2486: sunnah.com. تفسير الآية 9: 112: tafsir Maʿarif al-Qurʾan.
- «عبد القادر الجيلاني»، Encyclopaedia Iranica: iranicaonline.org.
- تراجم اطُّلع عليها: أبو مدين، أحمد التجاني، شمس التبريزي، معين الدين الجشتي.
إن سِيَر الأئمة تنتمي في معظمها إلى التقليد المنقبي: فالتواريخ والمدد فيها كثيرًا ما تكون تقريبية. ونحن ننقلها كما هي، مع الإشارة إلى الخلافات حين تُعرف.
