المشي ممارسةً روحية
حوار للأستاذ يوسف كاسويت مع الشيخ ضمن مشروع مرئي لمركز مارتي: السياحة الصوفية المستندة إلى الأمر القرآني بالسير في الأرض، وعشر سنوات قضاها الشيخ في المشي عبر المغرب.
فتح على يوتيوب ↗الشيخ
1994 – 2004 · من الريف إلى الصحراء، وحيدًا، بلا هدفٍ ولا وجهة

في ماي 1994م، وهو في التاسعة عشرة، غادر الشيخ محمد فوزي الكركري الريف هاربًا من حياةٍ ثقلت عليه. وطوال عشر سنوات قطع المغرب وحيدًا ماشيًا، يعيش مما يرزقه الله، من غير أيّ هدفٍ ولا وجهة. تروي هذه الصفحة قصة هذه المسيرة.
وُلد محمد فوزي الكركري في يوليو 1974م بالريف، شمال المغرب. وفي ماي 1994م، وهو في التاسعة عشرة، غادر منطقته الأصلية.
لم يخرج لمشروعٍ ما، بل خرج لأنه لم يعد يحتمل: فالمحن والمظالم والصعوبات الكبرى التي طبعت شبابه أغرقته في ضيقٍ ويأسٍ عميقين. وقد حاول أن ينهي حياته فلم يُوفَّق. ولمّا لم يعد قادرًا على العيش حيث كان، قرّر أن يفرّ من حياته بمغادرة الأرض التي نشأ فيها.
اتجه نحو فاس، وليس معه شيء: لا مال ولا مأوى ولا خطة.

كان الفتى في فاس متشرّدًا. يبيت الليل على الكرتون قرب باب بوجلود، وينهض في النهار إلى الأحياء الكثيرة المرور والمناطق السياحية، فيبيع المناديل الورقية في الطرقات ليكسب بضعة دراهم يقتات بها.
وبقي على هذه الحال في فاس سنةً كاملة.
بعد تلك السنة غادر فاس ماشيًا. مشى إلى وجدة، ثم إلى الناظور، ثم عاد إلى فاس، وأقام بها مدةً ثم انطلق من جديد نحو وجدة.
لم يكن لهذه الرحلات غاية: يمشي، ويقيم حيث يستطيع أن يعيش، ثم يرحل.
في سنة 1997م كان في الثالثة والعشرين. مضت عليه في وجدة أشهر طويلة طاف خلالها بالمدينة كلها، فعاد إليه ضيقٌ باطنيٌّ شديد، فقرّر الرحيل طلبًا للسكينة في مكانٍ آخر. وخرج من المدينة في يأسٍ تامّ.
لم يكن له قصدٌ ولا وجهةٌ ولا غاية. سلك طريقًا على غير هدى، فمرّ به على مدنٍ وقرى المغرب الشرقي ثم الأوسط واحدةً بعد أخرى: تاوريرت، كرسيف، تازة، فاس، وكل القرى المجاورة، مكناس، ثم سيدي سليمان والقنيطرة. ومن هناك سار محاذيًا ساحل الأطلسي، مرورًا بالمهدية، حتى سلا.
استغرقت الرحلة سنتين. ودخل سلا في يوليو 1999م، والمغرب في أيام الحداد على وفاة الملك الحسن الثاني.

أقام بضعة أشهر بين الرباط وسلا. وجد على الشاطئ مغارةً صغيرة اتخذها مسكنًا. وكانت قبالتها صخرةٌ يغمرها البحر عند المدّ، فكان يترك أغراضه عليها في النهار.
وفي النهار يذهب إلى العمل حيث يجد ما يكسب به عيشه، وفي المساء يحرص على العودة قبل ارتفاع المدّ لينام آمنًا مطمئنًّا على تلك الجزيرة الصغيرة التي يحيط بها الماء من كل جانب.

عاد إلى فاس، ثم انطلق ماشيًا نحو مراكش عبر الأطلس المتوسط: مولاي بوعزة، الحاجب، بني ملال، الفقيه بن صالح، خنيفرة، بويا عمر، حتى بلغ مراكش نحو يناير 2000م.
أقام بها قرابة أربعة أشهر في ساحة جامع الفنا. ينام الليل على الكرتون، ويحمل في النهار صندوقًا فيه أشياء صغيرة، منها المصّاصات، يحاول بيعها للسيّاح ليجمع قليلًا من المال.
وفي بعض الأيام لا يبيع شيئًا ولا يملك درهمًا واحدًا، فيطرق أبواب الناس ويفتّش في القمامة. وربما مرّت عليه ثلاثة أيام بلا طعام، فيلجئه الجوع أحيانًا إلى أكل أوراق الشجر.

نحو ماي 2000م غادر مراكش إلى أكادير. عبر الأطلس الكبير عن طريق شيشاوة وإمنتانوت، وهو ممرٌّ شديد الصعوبة لمن يقطعه ماشيًا. وبلغ أكادير مع صيف 2000م وقضى فيها الموسم.

ثم عاد إليه التعب واليأس، وصارت الحياة لا تُحتمل من جديد، فاحتاج إلى تغيير الأجواء وانطلق نحو الجنوب. ومرة أخرى لا يدري أين يتجه. سلك طريقًا على غير هدى ومضى فيه.
كان ذلك الطريق هو المؤدّي إلى الصحراء، ولم يكن يعلم. مشى حتى كلميم، ثم إلى مدينة آسا الزاك الصحراوية، ثم إلى مركز المحبس الحدودي.
هناك التقى جنودًا من منطقته الأصلية، منطقة تازة، فعاش معهم بضعة أشهر في الثكنة.
ثم انطلق من جديد وعاد إلى مراكش، وتحديدًا إلى إمنتانوت، وفي سنة 2001م كلها، من أولها إلى آخرها، قام بما يُعرف بـ«الدَّوْر»، أي الطواف على الأولياء الأربعة والأربعين.
الموسم في المغرب هو اللقاء السنوي الكبير الذي يقام حول ضريح وليّ: تفد الجموع من الجهة كلها لبضعة أيام، وتقوم الأسواق والولائم والاجتماعات والأذكار. ولكل وليٍّ موسمه في موعده. والدّور أن يتتبّع المرء هذه المواسم واحدًا بعد آخر، من مدينة إلى مدينة: مراكش، فاس، الرباط، الجديدة وغيرها.
كان يقيم أيامًا في كل موسم، ويعمل قليلًا، أحيانًا في المقاهي، وإذا لم يجد عملًا باع في الطرقات ليتدبّر أمره. وواصل هذه الدورة سنةً كاملة حتى نهاية 2001م.
في نهاية 2001م عاد إلى الرباط، وعمل هناك حارس أمنٍ في المخازن، وعاملًا في المقاهي والمطاعم.
في سنة 2004م غلبه الحنين. فقد مضت عشر سنوات لا يعرف شيئًا عن أهله، حتى إنه لا يدري أهل والداه على قيد الحياة؛ إذ لم يكن الهاتف متاحًا حينها ولا وسيلة يسيرة لمعرفة الأخبار.
أراد أخيرًا أن يطمئنّ عليهم، فاتصل بأمه، فطلبت منه أن يعود. فرجع إلى أهله بعد عشر سنوات من مغادرته الريف.
طوال عشر سنوات لم تكن لهذه المسيرة غايةٌ محدَّدة: لا رحلة دراسة، ولا حجٌّ إلى مكانٍ بعينه. كان يمضي كل يوم حيث يقوده الطريق، يعيش مما يرزقه الله.
تُعرف هذه الصورة من الارتحال التعبّدي في التقليد الصوفي باسم «السياحة». وهي تستند إلى آيات عدّة من القرآن تدعو إلى «السير في الأرض» (مثل سورة العنكبوت، الآية 20)، وقد مارسها كثير من المشايخ عبر القرون.
اقرأ المقال: السياحة عند المشايخ الصوفية←
تُروى بقية هذه المسيرة بالتفصيل في كتابٍ سيصدر قريبًا عن دار «Les 7 Lectures».
يتحدث الشيخ عنها بنفسه سنة 2023 في جامعة شيكاغو.
حوار للأستاذ يوسف كاسويت مع الشيخ ضمن مشروع مرئي لمركز مارتي: السياحة الصوفية المستندة إلى الأمر القرآني بالسير في الأرض، وعشر سنوات قضاها الشيخ في المشي عبر المغرب.
فتح على يوتيوب ↗